القرطبي

375

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن ) أي ، ليس يخفي عليك شئ من أحوالنا . وقال ابن عباس ومقاتل : تعلم جميع ما أخفيه وما أعلنه من الوجد بإسماعيل وأمه حيث أسكنا بواد غير ذي زرع . ( وما يخفي على الله من شئ في الأرض ولا في السماء ) قيل : هو من قول إبراهيم . وقيل : هو من قول الله تعالى لما قال إبراهيم : " ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن " قال الله : " وما يخفي على الله من شئ في الأرض ولا في السماء " . ( الحمد لله الذي وهب لي على الكبر ) أي على كبر سني وسن امرأتي ، قال ابن عباس : ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة . وإسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة . وقال سعيد بن جبير : بشر إبراهيم بإسحاق بعد عشر ومائة سنة . ( إن ربي لسميع الدعاء ) . قوله تعالى : ( رب اجعلني مقيم الصلاة ) أي من الثابتين على الإسلام والتزام أحكامه . ( ومن ذريتي ) أي واجعل من ذريتي من يقيمها . ( ربنا وتقبل دعاء ) أي عبادتي كما قال : " وقال ربكم ادعوني أستجب لكم " ( 1 ) [ غافر : 60 ] . وقال عليه السلام : " الدعاء مخ العبادة " وقد تقدم في " البقرة " ( 2 ) . ( ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين ) قيل : استغفر إبراهيم لوالديه قبل أن يثبت عنده أنهما عدوان لله . قال القشيري : ولا يبعد أن تكون أمه مسلمة لأن الله ذكر عذره في استغفاره لأبيه دون أمه . قلت : وعلى هذا قراءة سعيد بن جبير ، " رب أغفر لي ولوالدي " يعني . أباه . وقيل : استغفر لهما طمعا في إيمانهما . وقيل : استغفر لهما بشرط أن يسلما وقيل : أراد آدم وحواء . وقد روي أن العبد إذا قال : اللهم أغفر لي ولوالدي وكان أبواه قد ماتا كافرين انصرفت المغفرة إلى آدم وحواء لأنهما والدا الخلق أجمع . وقيل : إنه أراد ولديه إسماعيل وإسحاق . وكان إبراهيم النخعي يقرأ : " ولولدي " يعني ابنيه ، وكذلك قرأ يحيى بن يعمر ، ذكره الماوردي والنحاس . ( وللمؤمنين ) قال ابن عباس : من أمة محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : " للمؤمنين " كلهم وهو أظهر . ( يوم يقوم الحساب ) أي يوم يقوم الناس للحساب .

--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 326 . ( 2 ) راجع ج 2 ص 309 فما بعد .